علي الخليلي

110

أبو بكر بن أبي قحافة

كانت القبائل كلها اجتمعت عليهم وقطعوا عنهم المارة والميرة ، فكانوا يتوقعون الموت جوعا ، صباحا ومساء ، لا يرون وجها ولا فرجا ، قد اضمحل عزمهم ، وانقطع رجاؤهم ، فمن الذي خلص اليه مكروه تلك المحن بعد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا علي ( عليه السلام ) وحده ! وما عسى أن يقول الواصف والمطنب في هذه الفضيلة من تقصي معانيها ، وبلوغ غاية كنهها وفضيلة الصابر عندها ! ودامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين ، حتى انفرجت عنهم بقصة الصحيفة ، والقصة مشهورة . وكيف يستحسن الجاحظ نفسه أن يقول في علي ( عليه السلام ) انه قبل الهجرة كان وادعا رافها ، لم يكن مطلوبا ولا طالبا ، وهو صاحب الفراش الذي فدى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنفسه ووقاه بمهجته ، واحتمل السيوف ورضخ الحجارة دونه ، وهل ينتهي الواصف وان أطنب والمادح وان أسهب إلى الإبانة عن مقدار هذه الفضيلة ، والايضاح بمزية هذه الخصيصة ! فأما قوله : ان أبا بكر عذب بمكة ، فانا لا نعلم أن العذاب كان واقعا إلا بعبد أو عسيف ( 1 ) ، أو لمن لا عشيرة له تمنعه ، فأنتم في أبي بكر بين امرين : فتارة تجعلونه دخيلا ساقطا ، وهجينا رذيلا ، وتارة تجعلونه رئيسا متبعا ، وكبيرا مطاعا ، فاعتمدوا على أحد القولين لنكلمكم بحسب ما تختارونه لأنفسكم . ولو كان الفضل في الفتنة والعذاب ، لكان عمار وخباب وبلال وكل معذب بمكة أفضل من أبي بكر ، لأنهم كانوا من العذاب في أكثر مما كان فيه ونزل فيهم من القرآن ما لم ينزل فيه ، كقوله تعالى ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ) ( 2 ) ، قالوا : نزلت في خباب وبلال ، ونزل في عمار قوله ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) ( 3 ) .

--> ( 1 ) العسيف : الأجير . ( 2 ) سورة النحل ، الآية 41 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية 106 .